Make your own free website on Tripod.com

Last updated: 12-31-2009



>

.. الشباب يعيد إنتاج نفسه

المستقبل - الخميس 31 كانون الأول 2009 - العدد 3525 - شباب - صفحة 10

 



 

 


 

رولا عبدالله

لم يكن العام 2009 بالقسوة نفسها التي ألقت بها السنوات القليلة المنصرمة على كاهل جيل من الشباب وجد نفسه ملزماً تسطير ثورة تنشله من دوامة الاغتيالات التي لحقت بنخبة من قادته. وكان عليه أن يختار بين تكرار التجربة الدامية التي خاضها جيل السبعينات أو الانتقال الى طاولة الحوار متعالياً على الجراح والخسائر. وبانتصار الخيار السلمي دبت الحياة في الوطن الذي بقي معلقاً قبل ذلك بين تظاهرة وأخرى مناهضة. نضج الشباب محوّلاً العام المقبل على الانصراف الى أجندة عمل تمهيدية من شأنها أن ترتقي بالوطن الى مناصب أرفع في حال بقيت الهمة على ما هي عليه. ورشات عمل ومؤتمرات ووعود بالانماء يقابلها بحث جدي في التعاطي مع مشكلات مزمنة بينها قهر الطائفية والبطالة والهم الحياتي الآخذ في التمدد. وعلى أمل أن تصطلح الأمور أكثر كلما استقرت الأحوال الداخلية، يرسم الانتقال الى أحوال الشباب في الغرب ومن حول العالم أكثر من علامة استفهام بخصوص ذلك الهروب المتمثّل بالعيش في عالم افتراضي بعيداً عن الواقع الذي تهيمن عليه البطالة والأوبئة المستجدة والتقلبات السياسية. فاذا بانتعاش سوق مواقع التواصل الاجتماعي يرصد ظواهر ونقاشات بعضها أثمر حلولاً وكثيرها ولّد أزمات نفسية لبست ثوب النرجسية أو الاكتئاب أوالمخدرات أو الانتحار والقتل.

أثمر العام 2009 نجاحات تمثّلت على الصعيد المحلي اللبناني بـ"غزوة" الشباب لمواقع قيادية بعد محاولات حثيثة على مر السنين من أجل الانخراط في مختلف القضايا والمشاركة في صناعة القرار والترشّح والانتخاب والعمل البلدي. فكان أن ذخر العام بمفاجآت تمثلت بدخول الشباب لمجلسي الوزراء والنواب بعدما كانت مثل تلك المناصب محكومة بحسابات الارث السياسي وحده. فاذا بالبرلمان يشرّع أبوابه في حزيران الفائت لثمانية نواب نجحوا بفعل جهودهم والقضايا التي حملوها بالوصول الى الندوة مكللين برضا الناخب. والنواب الشباب هم: زياد القادري، روبير فاضل، نايلة تويني، عقاب صقر، سامر سعادة، شانت جنجنيان، سامي الجميّل ونديم الجميّل. كما انضم الى حكومة الوفاق الوطني الممثلة برئيس حكومة شاب نخبة من الشباب أصغرهم وزير البيئة محمد رحّال ابن الثلاثين عاماً. وبالخطوتين ـ الانجازين يكون فتح رئيس الحكومة سعد الحريري الباب أمام مشاركة حقيقية للشباب في ادارة الشأن العام والمشاركة في قيادة المؤسسات الادارية والرسمية، تماماً كما في القطاع الخاص.
وبفعل هدوء الشارع وعودة الحياة السياسية الى مسارها الحواري، انتقل الشباب الى بهو الفنادق والمقرات الحزبية من أجل المشاركة في ورشات عمل مثمرة انطلاقاً من الايمان بمقولة ثبت جدواها:"الانتماء الحقيقي هو للدولة أولا وأخيراً". ومن وحي أجواء الحوار نظّمت في بيروت لقاءات قيّمة منها:"مؤتمر القيادات العربية الشابة"، و"المؤتمر الأول لوضع الشباب العربي "وفيه بحث في أولويات الشباب ومبادراتهم في المنطقة العربية ودور الأونيسكو وكيفية لم الشمل والرابط بين السياسة والابحاث وتغيّر القيم. كما نظمت ورشات عمل مماثلة تباحث الحزبيون والناشطون في هيئات المجتمع المدني من خلالها بالمعضلات الشبابية بغية رسم سياسات شبابية وتحديد آليات تنفيذها على الصعيد الوطني. كما حمل الشباب قضاياهم الى الخارج بدعوة من منظمات دولية للاطلاع على واقع حالهم. وأحدث تلك اللقاءات اجتماع عقد في لندن، وضم ممثلو المنظمات الشبابية والطلابية في الاحزاب اللبنانية، صدر في اثره اعلان مشترك يؤكد على وحدة الدولة والسلطة المركزية والحفاظ على العيش المشترك والنهوض بالتعليم الرسمي وتلبية متطلبات الجامعة اللبنانية وتفعيل دور البلديات في التنمية واصدار التشريعات الآيلة الى خفض سن الاقتراع الى 18 سنة.
في الشأن الحياتي ما زالت البطالة أبرز التحديات التي يواجهها الشباب اللبناني في ظل توقعات ترجّح أن تكون نسبة العاطلين عن العمل، سواء جزئيا أو كلياً، تعدت الـ40 في المئة، خصوصا بعد الأزمات التي شهدتها الدول العربية ، في حين تصل نسبة الشباب بين العاطلين الى عتبة الـ90 في المئة، وثمانين في المئة بين المهاجرين. وفي الدرجة نفسها من الاهمية، دق العام الحالي جرس الانذار لجهة التضخّم في حوادث السير مقارنة مع الاعوام الفائتة لتصبح السيارة الخطر المنافس للحروب والأكثر فتكاً بالشباب اللبناني. فعلى الرغم من انخفاض معدلات الجنح الجنائية بين الشباب لهذا العام، ارتفع عدد القتلى والجرحى متفوقا على الرقم الذي سجله العام الفائت. وكان قضى في العام الفائت نحو 478 وجرح نحو 6882 بينما لا تزال الارقام لهذا العام غير دقيقة، ويفاقمها حوادث الدراجات النارية التي تشكل ما نسبته 60 في المئة من حوادث السير من حول العالم. وفي الارقام دراسة حديثة استطلعت 37403 من الطلاب توزعوا في سبع جامعات لبنانية خاصة حول عادات التدخين والسهر والانفاق، فكانت الحصيلة الأولية أن هناك 62 في المئة من الشباب اللبناني يشربون الكحول و59 في المئة يدخنون و68 في المئة ينفقون للسهر أكثر من 400 دولار للطالب شهرياً. واللافت أن 66 في المئة من الفتيان المدخنين و45 في المئة من الفتيات المدخنات تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عاما .
حمل شباب لبنان الى الخارج نموذجاً يحتذى به في العلم والمعرفة والانجازات، فكان أن حصد الطبيب اللبناني معاذ الملاح في الولايات المتحدة جائزة أفضل بحث للباحثين الشباب عن تصوير القلب. ونشطت الفنون فامتلأت صالات العروض والمعارض بانتاجات موقعة بأنامل الشباب ودارت عجلة الانتاج والتظاهرات الفنية موحية بعودة الحياة الى البلد الذي يجيد التحدي والمكابرة.
فرص العمل
لم يكن الشباب اللبناني وحده في معترك البحث عن وظيفة ودور، اذ ضيّق العام 2009 الخناق على شريحة كبيرة من الشباب الذي وجد نفسه في دوامة البحث عن مورد وهوية. وجاءت بيانات منظمة العمل الدولية لتؤكّد بأنّ نحو 85 مليون شاب حول العالم تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاطلون من العمل، وهي نسبة تزيد بنحو 15 في المئة عما كانت عليه البطالة بين الشباب قبل عشر سنوات. ويتماشى تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2009 مع بيانات المنظمة لجهة المنحى التصاعدي لمعدلات الفقر لدى الشباب العربي اذ بلغت نحو 30 في المئة في حدها الأدنى في لبنان، و60 في المئة في اليمن، و41 في المئة في مصر، و2 في المئة في قطر والكويت و22 في المئة في موريتانيا. وبحسب التقرير فان البلدان العربية ستحتاج بحلول العام 2020 الى 60 مليون فرصة عمل جديدة. ويبلغ معدل البطالة بين الشباب في الوطن العربي ما يقرب من ضعف ما هو عليه في العالم بأسره، علماً بأنّ ثلثي عدد السكان في الوطن العربي تقل أعمارهم عن 30 عاماً، ويدل ذلك على أن المجتمع العربي بات مجتمعا فتيا في حين تبحث المجتمعات الغربية عن حلول لمواجهة الشيخوخة.
ارتدادات الفقر التصاعدية حجّمت الرابط بين الانسان العربي وأرضه فاذا بفكرة السفر والانتقال للعيش في بلد آخر واردة في أي لحظة لقاء فرصة عمل وحياة ممكنة. ففي استطلاع تم بالتعاون بين مؤسستي "صلتك"(أصوات شباب العرب) و"غالوب"الأميركية، يلقي الشباب العربي باللوم في تدهور أحواله على استشراء ظاهرة "الواسطة" وأهمية اللجوء إلى أشخاص من ذوي النفوذ أو ممن يشغلون مناصب رفيعة في الدولة من أجل الحصول على فرصة عمل. ووفقا لنتائج الاستطلاع، فان نسبة مرتفعة نسبيا من الشباب العربي من الذين لا يمتلكون في الوقت الراهن نشاطا تجاريا يعتزمون البدء في عمل تجاري خاص في العام المقبل حيث رأى 46 في المئة من السودانيين و38 في المئة من التونسيين والنسبة نفسها من العراقيين بأنهم سيشرعون في عمل خاص بهم في غضون 12 شهراً .وعلى الرغم من جاذبية الوظيفة الحكومية بالنسبة لعدد كبير من الشباب في بعض الدول العربية لما توفره من رواتب جيدة ومضمونة، إلا أنها باتت تواجه عزوفا في بلدان أخرى في العالم العربي.
الدين
تقدّم دور الدين هذا العام أولويات الشباب في مختلف دول العالم بعد أن شهد عزوفا في العقود الماضية لصالح حركات التحرر. فاذا بدراسة ألمانية أعدتها مؤسسة "بيرتلسمان" ترجّح بأنه هناك أربعة شباب متدينين في العالم من بين كل خمسة شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عاما (85 في المئة).
وتشمل الدراسة نحو 21 ألف شاب من 21 دولة، وتصنف نحو 44 في المئة من الشباب بـ"شديدي التدين" حيث إنهم يتناولون القضايا الدينية بعمق ويصلون بانتظام كما يؤثر دينهم على حياتهم اليومية في حين لا يلعب الدين أي دور بالنسبة لـ 13 في المئة من الشباب. ووفقا للدارسة فإن الشباب الذين يعيشون في دول اسلامية ونامية هم أكثر تدينا من غيرهم. وهناك نحو 80 في المئة من الشباب البروتستانتي خارج أوروبا "شديدو التدين" فيما تبلغ نسبة المتدينين نحو 18 في المئة. أما بالنسبة للشباب البروتستانتي داخل أوروبا فإن 7 في المئة منهم فقط يمكن وصفهم بشديدي التدين.
وينطبق الامر ذاته على الشباب الكاثوليكي إذ بلغت نسبة شديدي التدين منهم خارج أوروبا 68 في المئة مقابل 25 في المئة داخل أوروبا. كما أنّ90 في المئة من الشباب في الدول شديدة التدين مثل نيجيريا أو غواتيمالا يصلون مرة واحدة على الاقل في اليوم فيما يفعل الشيء ذاته ثلاثة من بين كل أربعة شباب في الهند والمغرب وتركيا.
أما في فرنسا فلا يصلي سوى 9 في المئة فقط من الشباب بشكل يومي و7 في المئة في روسيا في حين أن الشباب في الولايات المتحدة يختلفون عن نظرائهم في أوروبا إذ يصلي 57 في المئة من الشباب هناك بشكل يومي.
النرجسية
واحد من أصل أربعة شباب يتصفون بالنرجسية التي يمكن أن تأخذهم الى حب الذات أو حالات الغرور المرضية. المعطى موثّق في استطلاع أجرته مدونة "نبض الشباب"، ويشمل 1068 شاباً، وفيه اشارة الى الدور الحساس الذي تقوم به مواقع التواصل الاجتماعي العديدة، والتي أسهمت هذا العام في اذكاء نزعة النرجسية لدى "شباب الانترنت" الذين انشغلوا بالترويج لأنفسهم ولمدوناتهم .
الانتحار
وجد الشباب اليائس بفعل استشراء الأزمة المالية العالمية ملاذاً للهروب باللجوء الى الانتحار. فاذا بمعدلات أولئك تشهد ارتفاعاّ ملحوظاً في الدول الغربية، ولاسيما تلك التي تناهشتها أزمات البورصة. ففي تقرير صادر عن اللجنة العليا لرعاية الشباب في فرنسا، يظهر بأن هناك شاباً من الذين يبلغون 16 عاما من عشرة يلجأون الى الانتحار بسبب فقدان الثقة في المستقبل، والرقم ضعف ما كان عليه في العام 1993. ويذكر التقرير بأنّ عدد العاطلين من الشباب الفرنسي بلغ نحو 20 في المئة وهي أعلى نسبة في أوروبا. ويعاني هؤلاء الشباب الصداع وقلة النوم وفقدان الشهية الأمر الذي دفع باللجنة العليا الى انشاء صندوق لدعم الشباب واخراجه من حال التشاؤم التي تهدد جيلاً بأكمله.
وفي تايوان أظهرت دراسة مسحية أجرتها مجلة كومنولث أن نحو 60 في المئة من شبان تايوان فكروا في الانتحار بينما لا يستطيع اكثر من 30 في المئة تحديد اتجاه في الحياة بسبب نقص المثل العليا من الشخصيات العامة وضعف الدعم الاسري، في حين يقدم نحو 4400 شخص في العام على الانتحار. استطلعت الدراسة آراء 4475 طالبا بين 15 و22، وتبيّن أن معظمهم فكروا في الانتحار بينما لا يزال 23 في المئة يفكرون فيه. ووجدت الدراسة المسحية التي أجريت بالرسائل البريدية أن نحو 34 في المئة من المشاركين قالوا انهم ليست لديهم فكرة عما يريدون أن يفعلوه بحياتهم. فعلى مدار الاعوام الخمسة الماضية فقد الشباب دون العشرين من العمر بين سكان تايوان البالغ عددهم 23 مليون نسمة المثل العليا من الشخصيات العامة منذ وفاة ملك المال وانج يونج تشينج وادانة الرئيس السابق شين شوي بيان بالكسب غير المشروع. وفي تعقيب على الدراسة يرى العديد من الخبراء بأنّ هذا العصر هو عصر مثل عليا والشبان اليوم لا يعرفون سوى الالتحاق باختبارات الجامعات الجيدة .كما ان الصلات العائلية ضعفت على مدار الفترة نفسها مع انخفاض أعداد الاطفال لكل أسرة بينما يعمل الأب والأم. وتصل حماية الآباء لابنائهم الى الدرجة التي لا يستطيعون فيها مواجهة أي انتكاسة حتى ولو كانت نفوق حيوان أليف.
الانترنت
في العام 2009 أدى رواج مواقع التواصل الاجتماعي من مثل "الفايسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" الى انقطاع الشباب الاميركي عن المشاركة في نشاطات الشارع ولاسيما الاعتصامات المنددة بالحروب، وبذلك يكون أعطى وجهة جديدة لتوجهاته النضالية بانتقاله الى عالم الانترنت الافتراضي حيث تكثر العرائض والمدونات وتختلف أو تتلاقى وجهات النظر. وفي جولة سريعة على أبرز الموضوعات خلال العام، يبرز الهم المالي وكيفية تأمين وظيفة بمردود مقبول بغية تطوير القدرات المالية. وفي هذا الجانب يطرق الخبراء ناقوس الخطر في مقارنة بين الجيل الذي أشعل الشارع تنديدا بالحرب على فيتنام وجيل الانترنت الآخذ في التكاثر: "كانت المشاركة في التظاهرات تدفع الى الحراك الجماعي في حين أن من شأن الانترنت أن يؤدي الى التقوقع والتفكك". كما يلفتون الى أن تزايد معدلات الجريمة لدى الشباب الجامعي ومرده الى انشغال الحكومة بمكافحة الارهاب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الأمر الذي ولّد مناخا لدى فئة كبيرة بالعجز وعدم الحيلة والاهمال، فاذا بالاهانات والخلافات البسيطة تحصّل بالقتل والثأر والعنف وارتكاب الجرائم. والحال مماثل في العديد من الدول الغربية اذ ارتفعت معدلات الجريمة في المانيا لتصل الى مجرمين من أصل كل خمسة شباب.
السمنة والمخدرات
ليست السمنة مشكلة قومية طارئة، الا أنها يمكن أن تتضخم لتصبح أكثر فتكاً من آفة المخدرات المستشرية بين الشباب في العالم بنسبة مرتفعة. ففي تحذير أطلقته منظمة الصحة العالمية بناء على دراسة واسعة النطاق أجراها معهد عالمي في 63 بلداً تبيّن بأن السمنة باتت تشكّل واحداً من أكبر 10 مشكلات صحية في العالم، اذ أنها تهدد 40 في المئة من الشباب والفتيات الذين يفرطون في تناول الوجبات السريعة من معجنات وبيتزا وهمبرغر وحلويات مشبعة بالدهون. وتبيّن الدراسة بأنّ هناك 22 مليون طفل في العالم تقل أعمارهم عن خمس سنوات يعانون من السمنة، ومعظمهم من دول العالم الثالث ممن بدأت تظهر عليهم عوارض الأمراض أما في تعاطي المخدرات، فأظهر تقرير الامم المتحدة ثباتاً في سوق المخدرات التقليدية غير الشرعية مثل الكوكايين والحشيشة والقنب، بينما سجل العام ارتفاعا ملحوظا في انتاج واستخدام أنواع جديدة من المخدرات مثل الانفتامين والاكستاسي، ولاسيما في الدول النامية والصناعية الآخذة في النمو . وسُجّلت أعلى نسبة لتعاطي المخدرات في الولايات المتحدة ونيوزيلندا حيث بلغت في المئة. واحتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى أيضاً من حيث استهلاك الكوكايين 16 في المئة.
وتشابه توزيع الأعمار لدى بدء التعاطي بشكلٍ ملحوظ وفق أنواع المخدرات في مختلف الدول. ففي جميع الدول، تراوحت الأعمار لدى بدء تعاطي المخدرات بين و عاماً باستثناء نيجيريا ( عاماً) والصين ( عاماً). أما في ما يتعلق بالمخدرات غير الشرعية، فكان معدل العمر لدى البدء بتعاطيها أكبر بعض الشيء، وهو بين و عاماً، باستثناء نيجيريا واسرائيل ( عاماً) ولبنان ( عاماً) بالنسبة إلى الحشيشة، وبين و عاماً بالنسبة إلى الكوكايين في كل الدول.
الزواج
وفق استطلاع حمل عنوان"نعم للحب لا للزواج"، شارك فيه أكثر من 500 شاب من جنسيات عربية وأجنبية، تتراوح أعمارهم بين 25 و 35 سنة، تبين ان 40 في المئة من عينة البحث يفضلون العيش في كنف أمهاتهم على العيش مع زوجة عصرية كثيرة الطلبات، بينما لم تعارض 30 في المئة من العينة فكرة الزواج والاستقلالية بعيدا عن الوالدة، اذا ما توفرت الشروط المادية لذلك. اما البقية 30 في المئة فتحمسوا لفكرة الزواج والعيش مع الوالدة بشكل مؤقت حتى يدخروا ما يكفي لشراء بيت وسيارة ومن ثم الاستقلال والانجاب.

ext here.

 



 سلوكيات الاطفال

نتائج دراسة تمسح «سلوكيات أطفال المدارس ومواد الإدمان»


تجاوز معدل انتشار استخدام السجائر في المدارس الرسمية ثلاث مرات ما هو عليه في المدارس الخاصة. وإذا كان الحشيش مادة غير مرخصة، فالنرجيلة، المادة المرخصة، هي الأكثر استخداماً بين مسببات الإدمان لدى أطفال المدارس (بين 14 و15 سنة).
وهناك نسبة 80 بالمئة منهم لم يستعملوا السجائر، و55 بالمئة لم يستعملوا النرجيلة، ما يدل على أن استعمال النرجيلة أوسع.
جاء ذلك نتيجة مسح وطني اجراه قسم طب المجتمع والاسرة في جامعة القديس يوسف، بالتعاون مع المجلس الاوروبي (مجموعة بومبيدو)، برعاية وزارة التربية والتعليم العالي، تحت عنوان «سلوكيات اطفال المدارس ووعيهم حول المواد المسببة للإدمان».
شمل المسح 1097 تلميذاً في 59 صفاً من مستوى الشهادة المتوسطة (البريفيه)، توزعوا بين المدارس الرسمية (65%) والمدارس الخاصة (35%). وشملت العينة 54 بالمئة من الفتيات، و46 بالمئة من الذكور. وتراوحت أعمارهم بين 12 و19 سنة.
وأورد المسح أن نسبة 64 بالمئة من الطلبة يعيشون في اسر مدخني النرجيلة، غير أن نسبة أكثر من 25 بالمئة منهم حاولوا تدخين النرجيلة في سن الرابعة عشرة بشكل عام. وبلغ معدل استخدامها بشكل متكرر نسبة 18 بالمئة، ليسجل الجنوب اعلى نسبة انتشار (24 %). وتبين ان مستخدمي النرجيلة بشكل مزمن هم اكثر عرضة لتدخين السجائر بشكل متكرر أيضاً. والقبول الاجتماعي للنرجيلة ساهم في زيادة انتشارها بين الاطفال والمراهقين، في معدلات تفوق تدخين السجائر. مع الاشارة الى ان السجائر والنرجيلة هما اكثر شيوعاً لدى الصبيان من البنات.
وتبين ان نسبة تدخين السجائر والنرجيلة والكحول اعلى من نسبة استعمال الحشيش او عقار النشوة. وافاد نسبة 1 من 4 من المشاركين فقط انهم يعيشون في منزل خال من المدخنين، و10 بالمئة منهم حاولوا تدخين السجائر. وبلغ السن الذي تم خلاله تناول السيجارة الأولى 13 عاماً. أما المعدل الاجمالي لاستخدام السجائر بشكل متكرر فبلغ نسبة 4،3 بالمئة، وكانت النسبة الاعلى في جبل لبنان، تليها بيروت الكبرى.
في بيوت اكثر من 60 بالمئة من الطلاب الذين شملهم المسح، لا يشرب أي فرد من افراد عائلتهم الكحول، وحوالى 65 بالمئة لم يحتسوا الكحول في حياتهم. اما البيرة فكانت الى حد بعيد المشروب الاكثر شيوعاً، والذي تم تناوله ولو لمرة واحدة في الحياة من قبل نسبة 60 بالمئة.
واظهر المسح ان نسبة 80 بالمئة من الطلاب سمعوا عن الكوكايين، وحوالى 64 بالمئة منهم عن الهيرويين. وبدا أن مادة الحشيش هي الاكثر شهرة (85%)، وهي تتصدر لائحة المخدرات الاكثر استخداماً على الاقل لمرة واحدة حتى ذلك الحين. اما المخدر الثاني الاكثر شعبية فكان حبوب «اكستازي» (حبوب النشوة)، واعلى نسبة سجلت في محافظة جبل لبنان.
وقد تم اعلان نتائج المسح امس خلال مؤتمر صحافي عقد في فندق «موفنبيك»، تحدث فيه رئيس قسم طب الاسرة والمجتمع في كلية الطب في جامعة القديس يوسف الدكتور سليم اديب، فاعتبر ان استخدام النرجيلة مشكلة وطنية، بل قومية لأنها منتشرة في الدول العربية. واشار الى انه تبين بنتيجة المسح ان نسبة الادمان غير عالية، ولكن نسبة الذين يعيشون بالقرب من المواد المسببة للادمان عالية جداً.
واشار الى ان عاملات في وزارة الشؤون الاجتماعية نفذن الاستطلاع، ولفت الى انه قد «تم طرح سؤال خلال الاستطلاع حول مادة وهمية، للتأكد من المعلومات التي يدلي بها الاطفال، وافاد 10 بالمئة منهم انهم سمعوا عنها، ما ضرب مصداقيتهم، ودفعنا الى حذف شهاداتهم بالاجمال من الاستطلاع».
واشار الى ان المسح شمل ايضاً المستنشقات التي تسبب الادمان، وتبين ان 10 بالمئة منهم يعرفون شخصاً يستنشق البنزين، و7 بالمئة منهم يعرفون شخصاً يستنشق التنر، و5 بالمئة منهم يعرفون شخصاً يستنشق الصمغ.
ولفت اديب الى انه سيتم التوجه مستقبلاً الى فئات اخرى من الشباب، كالفئة التي هي خارج النظام الدراسي، او الفئة العاملة، او الطلاب في المدارس المهنية والتقنية.
وبعدما ألقت ممثلة الدولة اللبنانية في مجموعة «بومبيدو» كلمة للمناسبة، تحدث في المؤتمر، على التوالي: عضو المجلس الاوروبي والمسؤولة في مجموعة «بومبيدو» فلورنس مابيلو مسلاي، ومدير المركز الفرنسي لمراقبة المخدرات والادمان جان ميشال كوست، والمنسقة العامة لبرنامج الصحة المدرسية في وزارة التربية نينا لحام.
السفير»)assafir 

10-10-2009






كيف يمكن لشباب لبنان
أن يلتقوا في مساحات مشتركة؟

المستقبل - الاحد 20 تشرين الثاني 2005 - العدد 2104 - نوافذ - صفحة 10

 

 


 

 

 


 


عدنان الأمين

يسلّم مفهوم الاندماج الاجتماعي، من جهة، بوجود التنوع أو التعدّد أو عدم التماثل بين الناس (أفراداً وجماعات)، ومن جهة ثانية، بوجود إرادة عند هؤلاء الناس بإقامة نسيج اجتماعي مشترك. ويندرج من ذلك أن تحقيق الاندماج الاجتماعي يتطلّب، من جهة، توفير الفرص لكي ينخرط الناس في هذا النسيج الاجتماعي، ومن جهة ثانية، بناء قدراتهم (المهارات والمعارف والقيم اللازمة) للاستفادة من هذه الفرص عن طريق التعليم والتأهيل والتدريب والإرشاد والإعلام.
ويكمن تحقيق الاندماج الاجتماعي على مستوى أول في معالجة مشكلة الإقصاء من خلال دمج المهمّشين من فقراء ونساء وأقليات (على أنواعها) وشباب وكبار السن وذوي الحاجات الخاصة ومشردين ومهاجرين وغيرهم في النسيج الاجتماعي بإتاحة فرص المشاركة المجتمعية لهؤلاء (فرص الدراسة النظامية وغير النظامية والانتقال من التعليم إلى العمل والصحة والسكن والمشاركة في الحياة السياسية والحصول على المعلومات وممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية والتطوعية والوقاية من العنف والجريمة، الخ...)، وذلك استناداً إلى مبادئ العدالة والمساواة والحقوق المشروعة. ونسمي هذا النوع من الاندماج "الاندماج المدني".
ويمكن التمييز بين نموذجين لمعالجة الإقصاء هما: 1 ـ الاستيعاب أو الامتصاص أو الانصهار
assimilation، حيث ينتظر من الشخص أن يترك، نوعاً ما، ما يميّزه عن الآخرين لينصهر في النسيج الاجتماعي السائد، أو 2 ـ الدمج inclusion
، حيث يشارك الشخص في النسيج الاجتماعي السائد، كلياً أو جزئياً، من دون أن يفقد هويته الخاصة.
ويتّخذ مفهوم الاندماج الاجتماعي معنى ثانياً في المجتمعات المعرّضة للصراع بين الجماعات المكونة لها، بحيث أن المشكلة المطروحة هنا هي التفكك الاجتماعي
socialdisintegratin والصراع الاجتماعي social conflict، وبحيث أن الهدف يكمن في تحقيق التماسك الاجتماعيsocial cohesion. هذا التماسك يتخذ شكل الحيز أو المساحة الاجتماعية العامة التي تتشارك فيها الجماعات وتتفاعل ضمن ما تعتبره مصلحة عامة واعتماداً متبادلاً. وهو ينطبق على عدد من البلدان في أوروبا وأفريقيا وآسيا، ومنها لبنان. ويتخطى هذا المفهوم مفهوم التعايش الذي ينطوي على فكرة سلبية للتفاعل بين الجماعات، حيث تبقى كل جماعة معزولة عن الأخرى ومجاورة لها من دون صراع ومن دون تماسك، إلى مفهوم العيش المشترك في بيت واحد يسوده التفاعل والتعاون والاحترام المتبادل ولو أن لكل شخص شخصية خاصة به.
ويتمٌيز هذا المعنى للاندماج الاجتماعي (التماسك الاجتماعي) عن المعنى الأول (معالجة الإقصاء) من حيث ماهية الفرص التي يتعيّن توفيرها ومن حيث وظيفة هذه الفرص. وتتمٌيز الفرص هنا بأنها:
ـ تقوم على الاختلاط ما بين الأفراد والجماعات المتنوعة في مساحات عامة ومشتركة.
ـ توفّر التفاعل بين انتماءات واتجاهات متعددة، في اطار المصالح المشتركة والاعتماد المتبادل، وما يشتمل عليه هذا التفاعل من تقبل الاختلاف ومن تكوين قيم واتجاهات عامة (إضافية أو بديلة) لصيقة بالمساحات العامة والمشتركة تجسد الانتماء إليها وتعكس قوة الشعور بهذا الانتماء.
ـ توفٌر الحراك الاجتماعي، أي الانتقال الأفقي ما بين أجزاء المجتمع الجغرافية، والانتقال العامودي على السلم الاجتماعي، ما بين الوظائف والشرائح الاجتماعية، دون وجود جدران وأسقف مانعة.
ونسمي هذا النوع من الاندماج "الاندماج التغييري أو التحويلي"، مقابل الاندماج "المدني"، لأنه:
1 ـ يوفر حراكا اجتماعيا على مستوى المجتمع ككل (تغير عبر المناطق والشرائح)،
2 ـ يفضي إلى زيادة التماسك الاجتماعي (تغير في البنية الاجتماعية)،
3 ـ يفضي إلى تكوين البدائل بسبب الاختلاط والتفاعل بين مختلفين (التطوير الاجتماعي)
4 ـ يساهم في زيادة رأس المال الاجتماعي (أو الشبكات الاجتماعية).
ويقتصر العرض في هذه الوثيقة على الاندماج التغييري عند الشباب، ويعتبر أن طموح الشباب نحو الاستقلالية عن الراشدين وعن ثقافة هؤلاء تجعلهم أكثر استعدادا لتكوين البدائل ولتقبل التغير الاجتماعي العام أو المبادرة إليه، بما في ذلك زيادة القابلية لديهم للتغيير عندما ينتقلون إلى مصاف الراشدين.
ويعيش الشباب في لبنان هذه المفارقة المعروفة عالمياً، فهم ضحية النزاع ووقوده من جهة وهم قوة التغيير من جهة ثانية. لذلك تتلخص قضايا الشباب من زاوية الاندماج الاجتماعي التغييري بثلاث: الاختلاط، والتفاعل (القيم والاتجاهات)، والحراك الاجتماعي.
أولا ـ فرص الاختلاط
أ ـ الواقع:
فرص الاختلاط بين الشباب في لبنان متعددة الاحتمالات لكنها محدودة الحجم، وقد حصل تراجع ملموس فيها بعد العام 1975.
يختلط الشباب في ما بينهم في الأماكن العامة، ولاسيما مراكز اللهو والتسلية والرياضة على أنواعها، وفي المنظمات والتجمعات الشبابية، وفي المؤسسات التربوية ولاسيما الجامعات.
1 ـ مع أنه يصعب التدقيق بأماكن اللهو والتسلية التي يرتادها الشباب، يمكن القول إنها موزعة جغرافياً تبعاً للمعطيات السكانية التي ضعف الاختلاط فيها بشكل كبير بعد العام 1975، ويقتصر الأمر حاليا على مجموعة من المواقع "المركزية" في بيروت وضواحيها، وبخاصة في وسط المدينة وشارعي بليس (محيط الجامعة الأميركية) ومونو (محيط جامعة القديس يوسف). أما أماكن اللهو الأخرى (مثل المسابح والمنشآت المائية وغيرها) فيمكن الجزم بأنها لا تؤدي إلى الاختلاط لغياب التفاعل بين مرتاديها.
2 ـ على الصعيد الطلابي، خسر الجسم الشبابي بعد العام 1975 منظمتين مهمتين كانتا تتيحان فرص اختلاط كبيرة بين الطلبة، هما اتحاد طلاب لبنان، واتحاد طلاب الجامعة اللبنانية. وقد فشلت الجهود التي بذلت حتى اليوم من أجل إعادة بنائهما.
3 ـ أما المنظمات الشبابية غير الطلابية، فقد ظهرت عدة منظمات كان القصد منها تحديداً إعادة بناء سبل التواصل والتفاعل بين الشباب الموزع في شبه كيانات جيو ـ سياسية. ومن هذه المنظمات مثلا: "شباب لبنان الواحد" (دار الندوة) ، "انتظارات الشباب" (الرهبنة الأنطونية)، "مسار السياسات الشبابية" (اتحاد غوث الأولاد واليونسكو). وقد نفذت هذه المنظمات الكثير من الأنشطة خلال العقد المنصرم وأتاحت فرص التفاعل والاختلاط بين شباب آتين من أوساط متنوعة. لكن حجم رعاية الراشدين لهذا النوع من المنظمات ما زال كبيراً، وما زال السؤال مطروحا حول "مدى مشاركة الشباب في صناعة القرارات وتحديد الحاجات وموضوعات العمل واختيار الأنشطة وتنفيذها" (شيا، 2005). بحيث يمكن الافتراض أن هذه المنظمات ما زالت هامشية في حياة الشباب اللبناني من جهة، وما زال الشباب فيها هامشياً في تنظيمها وقيادتها. أما المنظمات الشبابية الأخرى كـ"اتحاد شباب لبنان" فهو محاولة للجمع بين اتجاهات سياسية متضاربة، وهو فشل بالمعنى نفسه الذي فشلت فيه إعادة بناء اتحاد طلاب الجامعة اللبنانية.
4 ـ على الصعيد الرياضي، تشكّل إعادة تفعيل الاتحادات الرياضية منذ عودة السلم الأهلي وتنظيم المباريات بطريقة دورية على الملاعب المنتشرة في المناطق فرصا ولو محدودة للاختلاط وزيادة التفاعل بين اللاعبين ومناصريهم من الأطياف اللبنانية المختلفة.
5 ـ على المستوى التربوي، كانت المدارس الثانوية المرموقة الرسمية والخاصة في بيروت الكبرى تستقطب الطلاب من أوساط متنوعة. قلّت بعد العام 1975 المدارس الخاصة التي تحمل هذه الصفة، واختفت مثيلاتها في القطاع الرسمي.
أما على المستوى الجامعي فقد تم تفريع الجامعة اللبنانية طبقا للخريطة الجيوسياسية التي فرضتها الحرب ونشأت مؤسسات تعليم عال خاص على قاعدة الخريطة نفسها.
في الستينيات وحتى السبعينيات كانت الجامعة اللبنانية الموحّدة في بيروت تضم خليطا من الطلاب يشكل المسيحيون منهم حوالى 60 في المئة، فيما كان الطلبة المسيحيون يشكلون90 في المئة في جامعة القديس يوسف، وأكثر من 80 في المئة من الطلاب اللبنانيين في الأميركية، وكان المسلمون يشكلون حوالي 90في المئة من طلاب الجامعة العربية. وهذه النسب تعكس من جهة درجة الاختلاط ومن جهة ثانية التفاوت بين المسيحيين والمسلمين في ارتياد الجامعات. فماذا حصل بعد ذلك؟
استنادا إلى استقصاء أجري في العام 1997 يتبين: أن 7 في المئة فقط من طلاب لبنان كانوا يرتادون مؤسسات للتعليم العالي مختلطة دينياً وجغرافياً، مقابل 74 في المئة يرتادون جامعات من لون ديني غالب، و19 في المئة يرتادون جامعات تقع ما بين الطرفين، مع غلبة لدين معين تتراوح نسبتها بين 59 في المئة و73 في المئة . وبالتالي فان فرص الاختلاط بين الشباب اللبناني ـ فئة الطلاب ـ الآتين من أوساط مختلفة أصبحت ضعيفة جداً، وأن الاختلاط المتوافر (في الجامعة الأميركية فقط) يقتصر على نخبة الطلاب الاجتماعية والاقتصادية والأكاديمية، بينما يتابع الجمهور الواسع منهم دروسه في مؤسسات شبه مغلقة، في طلابها وأساتذتها وإدارييها.
إزاء هذه الوقائع ذات الذيول العديدة على الشباب والاندماج الاجتماعي، يبدو هامش زيادة فرص الاختلاط محدوداً، وينحصر في الفروع الأولى والثانية في الجامعة اللبنانية، ولكنه هامش مقبول. أولاً، لأن هذه الفروع تقع في منطقة جغرافية واحدة، حيث أن تفريعها نجم عن ظروف الحرب التي زالت، وبالتالي فإن استمرارها يعتبر استمراراً لتلك الظروف و/أو عملاً تمييزياً مقصوداً. وثانياً، لأن هذه الفروع تنتمي إلى جامعة وطنية يفترض فيها أن تجمع اللبنانيين؛ فهي ليست جامعة مسيحية ولا إسلامية ولا أجنبية، ويفترض بها أن تؤمن فرص التفاعل في ما بينهم. وثالثاً، لأن طلاب الجامعة اللبنانية يأتون من الشرائح الاجتماعية الأدنى، ويساهمون بصورة جدية إما في ديناميكية الصراع أو في ديناميكية التماسك الاجتماعي.
وتستحوذ الفروع الأولى والثانية على 34032 طالباً وطالبة اليوم (معطيات العام 2003/2004)، فإذا أضفنا إليهم طلاب الكليات الموحّدة في الجامعة اللبنانية، يرتفع العدد إلى 38597، ما يشكل 58 في المئة من طلاب الجامعة اللبنانية، و29 في المئة من طلاب لبنان، وهي نسبة محترمة. فإذا حدث الاختلاط في هذه الفروع ترتفع نسبة الاختلاط إلى 34 في المئة في الجامعات على المستوى الوطني.
ب ـ تساؤلات وتوجهات:
1 ـ كيف يمكن توسيع نطاق المساحات العامة والمشتركة، ودعمها وتعزيز نوعيتها، من مؤسسات تربوية وترفيهية وثقافية ومنظمات شبابية، لتصبح أماكن حقيقية للاختلاط بين الشباب؟
2 ـ هل يمكن التفكير بخلق أماكن أو آليات تخص اللهو والتسلية والنشاطات الثقافية تعزّز فرص التفاعل والاختلاط بين الشباب، مثل توأمة النوادي والزيارات المتبادلة أو المشتركة للأماكن الأثرية أو إقامة الندوات أو الحفلات المشتركة؟
3 ـ هل يمكن التفكير بإعادة إحياء اتحاد طلاب لبنان واتحاد طلاب الجامعة اللبنانية على قواعد غير تلك التي أدت الى فشل قيامهما سابقاً؟
4 ـ هل يمكن التفكير بخلق فرص مستدامة لتلاقي المنظمات الشبابية والتفاعل الحثيث في ما بينها؟
5 ـ كيف يمكن الاستفادة من إعادة تفعيل الاتحادات الرياضية من أجل تعزيز الاختلاط والتفاعل؟
6 ـ ما الحوافز والتسهيلات التي يمكن اعتمادها لتشجيع نشوء وتوسع منظمات شبابية ذات طابع وطني مهما كان مدار اهتمامها؟
7 ـ هل يمكن التفكير بتوحيد فروع الجامعة اللبنانية في بيروت الكبرى لتعزيز الاختلاط؟
8 ـ كيف يمكن تعزيز الاختلاط في فروع الجامعة اللبنانية الأخرى؟
9 ـ هل يمكن التفكير مثلاً بتوحيد الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية على أسس جديدة تجعلها أكثر نجاعة وجاذبية مما هو قائم حالياً من زاوية الاختلاط؟
10 ـ كيف يمكن تعزيز الاختلاط في الجامعات الأخرى؟ هل يمكن التفكير مثلاً في وضع برامج لتبادل الطلبة بين جامعات لبنان؟ وكيف نزيد فرص الحراك الأكاديمي ما بين الجامعات؟
11 ـ هل يمكن التفكير بإنشاء جامعة واحدة موحّدة لدراسات الدكتوراه لكل لبنان، بمشاركة كل جامعاته، الحكومية والخاصة؟
12 ـ هل يمكن التفكير باعتبار بيروت الكبرى وعواصم المحافظات المجال الحيوي للمساحات المشتركة، والنواة التي تشتق منها وتتفرع عنها وتتشابك معها المساحات المماثلة المنتشرة جغرافيا؟
ثانياً ـ القيم والاتجاهات
سوف نقتصر هنا على نوعين: القيم المتعلقة بالمرأة والاتجاهات السياسية.
أ ـ الواقع:
1 ـ القيم المتعلقة بالمرأة
إذا وزّعنا مجموعة من المواقف المتعلقة بالمرأة بين قيم تمييزية (تقليدية) وقيم مساواتية، ودرسنا العلاقة بين اتجاهات الطلاب حول هذا الموضوع وعدد من المتغيرات (استقصاء 1997) نجد أن كثيراً من المتغيرات يترك أثراً عليها (الجامعة، الكلية، الدين، الجنس، مستوى تعليم الأبوين، المستوى الاقتصادي الاجتماعي، ودرجة الاختلاط داخل الجامعة). لكن أقوى هذه المتغيرات أثراً هو الدين: فنسبة التقليديين بين المسلمين أعلى من نسبتهم لدى المسيحيين. على أن أثر الاختلاط يبقى فاعلاً داخل كل دين على حدة. ذلك أن مؤشر القيم المساواتية يرتفع مع زيادة الاختلاط من 19.35 نقطة إلى 24.8 نقطة عند المسلمين، ومن 24.66 إلى 26.77 عند المسيحيين. وقد تم الحصول على نتائج مشابهة في العام 2004.
2 ـ القيم والاتجاهات السياسية
أ ـ الأحزاب السياسية التي يؤيّدها الطلاب
صرّحت نسبة عالية من الطلاب الذين تم استفتاؤهم في العام 1997 أنها لا تؤيد أي حزب (44.6 في المئة)، والباقي توزع على 3 مجموعات من الأحزاب. وقد تبين أن هذا التوزع لا علاقة له بالجامعة ولا بالمستوى التعليمي للأبوين ولا بمهنة الأب، وأن الأثر يقتصر فقط على الدين والجنس. أما الفرق المتعلق بالجنس فيتمثل في تمنع الإناث عن تأييد الأحزاب أكثر من الذكور. وأما الفرق بين المسلمين والمسيحيين فيظهر في أن 89.4 في المئة من مؤيدي الأحزاب بين المسيحيين يحبذون أحزاب مجموعة تشمل التيار الوطني الحر، الكتلة الوطنية، حزب الوعد، الكتائب، القوات اللبنانية، الوطنيون الأحرار، مقابل 3.9 في المئة من المسلمين، بينما 89.4 في المئة من مؤيدي الأحزاب بين المسلمين يحبذون أحزاب مجموعة ثانية تشمل حركة أمل، حزب الله، حركة التوحيد الإسلامي، الجماعة الإسلامية، الحزب الاشتراكي، الناصريون، حزب البعث، ومجموعة ثالثة تشمل الحزب الشيوعي والحزب القومي، مقابل 5.9 في المئة بين المسيحيين.
ما أثر الاختلاط في الجامعة على هذه الاتجاهات؟ بالنسبة للمسلمين: تزيد نسبة الذين يؤيدون أحزاباً مسيحية والحزبين الشيوعي والقومي، بينما تنقص نسبة الذين يؤيدون أحزاباً إسلامية. بالنسبة للمسيحيين: تنقص نسبة الذين يؤيدون أحزاباً مسيحية، وتزيد نسبة الذين يؤيدون الحزبين الشيوعي والقومي، وتبقى نسبة الذين يؤيدون أحزاباً إسلامية معدومة أو شبه معدومة.
ب ـ الدولة العدوّة
ذكر الطلاب في استقصاء 1997 العديد من البلدان التي اعتبروها عدوّة، لكن أكثر البلدان تكراراً هي إسرائيل (77.7 في المئة)، وسوريا (12.7 في المئة)، وأميركا (4.2في المئة). مرة أخرى يفترق المسيحيون عن المسلمين: إسرائيل عدوّة للبنان بالنسبة لـ94 في المئة من المسلمين مقابل 61 في المئة من المسيحيين، وسوريا عدوّة بالنسبة لـ 1 في المئة من المسلمين مقابل 25.5 في المئة من المسيحيين. أما العداء لأميركا فنسبه متقاربة (3.5 في المئة ـ 4.4 في المئة). الاختلاط لا يؤثر بشيء على المسلمين، لكنه يؤثر على المسيحيين: فتزيد عندهم مع زيادة الاختلاط الجامعي نسبة من يعتبر إسرائيل عدوة وتنقص نسبة من يعتبر سوريا عدوّة، ونسبة من يعتبرون أن أميركا عدوّة.
إن الافتراق بين الطلبة اللبنانيين في القيم والاتجاهات السياسية استناداً إلى طوائفهم ظاهرة قديمة بينتها دراسات أجريت في الأعوام 1960 و1970 و1974 ، ولكنها زادت أو تكرست نسبياً مع الزمن، بفعل الحرب، وبقيت مستمرة بعد فترة الحرب، بعد صدور وثيقة الوفاق الوطني (استقصاء 1997) وحتى اليوم (طبقا لدراسة أجريت في العام 2004). لكن تحليل نتائج دراسة 1997 تسمح بالوقوف على أثر الاختلاط الجامعي في التخفيف من الاستقطاب الطائفي وفي زيادة فرص تكون الاتجاهات السياسية على أساس الاختيار الحر واستنادا الى التفاعل مع أقران مختلفين.
ب ـ تساؤلات وتوجهات:
1 ـ هل يمكن التأثير على قيم الشباب ومواقفهم تجاه المرأة؟
2 ـ كيف يمكن تعزيز مواقف تجاه المرأة مبنية على المساواة وحقوق الإنسان ؟
3 ـ هل يمكن كسر الحاجز الطائفي في الانتماء إلى الأحزاب السياسية وتحبيذها؟
4 ـ كيف يمكن تعزيز مشاركة المحجمين والمحجمات عن الانتماء إلى الأحزاب السياسية في تيارات سياسية جامعة تكسر الحواجز الطائفية؟
5 ـ كيف يمكن كسر طوق العزلتين للوصول إلى تيارات سياسية جامعة تشكل نسيجا سياسيا مشتركا بين الطوائف؟
6 ـ كيف يمكن تعزيز المساهمات الجدية في بناء ثقافة وطنية تنشر وتطور مبادئ الاندماج الاجتماعي كالتنوع وتكافؤ الفرص والعدالة والمساواة؟
ثالثاً ـ الحراك الاجتماعي
أ ـ الواقع:
في استقصاء قديم أجري على فوج من الذين التحقوا بالمدارس في مطلع الخمسينيات في مدينة صيدا، تبين أنه مع حلول السبعينيات كان 73.8في المئة من أبناء الطبقات الدنيا قد بقوا في مكانات اجتماعية مماثلة للمكانات التي كان يحتلها أباؤهم وأجدادهم من قبل، وأن 26.2 في المئة فقط احتلوا مكانات اجتماعية أعلى بقليل أو بكثير من المكانات التي كان يحتلها أباؤهم وأجدادهم، أي حظوا بحراك اجتماعي صاعد، منهم 5 في المئة "تحركوا" اجتماعياً نتيجة ظروف خاصة وطارئة (حراك اجتماعي ظرفي)، بينما تحرّك الباقون (خمسة أسداس) نتيجة نجاحهم المدرسي الذي أهلّ هؤلاء لارتياد الجامعات ثم لشغل مهن وسطى وعليا. وهذا يلقي الضوء على الدور الكبير للتعليم ولاسيما الجامعي في تحقيق الحراك الاجتماعي.
وبينت نتائج الاستقصاء الذي أجري في العام 1997 أن 74.3 في المئة من أبناء الفئات الدنيا الذين يرتادون الجامعة اللبنانية يتوقّعون حراكاً اجتماعياً، بينما تصل النسبة إلى حوالى 90 في المئة في الجامعات الخاصة.
ويتساءل المرء كيف تكون الجامعة اللبنانية، المجانية الوطنية، أقل أثراً في إحداث توقعات الحراك الاجتماعي من الجامعات الخاصة ذات الأقساط والتابعة لجماعات، فيما المجانية عنصر حاسم في استقبال أبناء الفئات الاجتماعية الدنيا فيها؟ ويكمن حل هذا اللغز في عنصرين: عنصر المساندة العصبية وعنصر نوعية التعليم. المساندة العصبية تعني توفير المساعدات المالية لأبناء الجماعة الذين يرتادون جامعات خاصة (تغطية نفقات الدراسة) أو تأمين الإعفاءات والمنح التي تقدمها الجامعات الخاصة لأبناء الجماعة التي تندرج الجامعة فيها. ونوعية التعليم تعني كيفية اصطفاء الطلاب وكيفية استخدام الموارد البشرية ومصادر التعليم المتاحة، وتطوير هذه الموارد، كما تعني الحيز الذي تحتله اللغة والثقافة الأجنبية في التعليم. وفي هذه الأمور تبدو الجامعات الخاصة أفضل حالاً من الجامعة اللبنانية. وإذا كانت الجامعة الأميركية مثلاً غير تابعة لجماعة فإن أعدادا كبيرة من طلابها كانوا في التسعينيات (حتى العام 1997) يحصلون على تغطية تامة لأقساطهم من مؤسسة الحريري. وهي جامعة يضعها الطلاب في قمة الجامعات في لبنان من حيث النوعية.
لذلك يمكن القول إن فرص الحراك الاجتماعي المتاحة للشباب في لبنان تعزى بصورة خاصة لجهود الجماعات، وتصب في الانتماء إليها مجدداً، أي هو حراك ارتدادي، لا يندرج في الاندماج الاجتماعي بالضرورة. ويرتبط حجم هذه الواقعة بحجم المؤسسات الخاصة التابعة للجماعات، والتي ترعى النوعية، وبحجم جهود الجماعات في تقديم المساعدات المالية للطلاب من أبنائها، وبحجم الالتحاق بالفرعين الأول والثاني في الجامعة اللبنانية، الأكثر تجسيداً لنشاط الجماعات. هذه هي الواقعة الأقوى ظهوراً. أما هامش الحراك الاجتماعي المستقل عن جهد الجماعات، فهو موجود لكنه يشكل الواقعة الأضعف.
أما في ما يخص الحراك الاجتماعي الأفقي (الجغرافي) فتدل جميع المعطيات على المحدودية القصوى لمثل هذا الحراك في اتجاه الاندماج الاجتماعي. ويكفي أن ننظر في هذا السياق إلى المناطق الجغرافية التي ينزح إليها أبناء هذه المنطقة أو تلك، أو أن نبحث في طوائف أساتذة الجامعة اللبنانية في فروعها المختلفة.
ب ـ تساؤلات وتوجّهات:
1 ـ هل يمكن رفع مستوى التعليم في المدارس الحكومية وفي الجامعة اللبنانية لتؤمن هذه المؤسسات فرصا حقيقية للحراك الاجتماعي الصاعد؟
2 ـ هل يمكن التفكير بإقامة نظام منح تعليم وطنية تكسر طوق اللجوء إلى الجماعات من أجل تعزيز فرص الحراك الاجتماعي؟
3 ـ كيف يمكن جعل الأراضي اللبنانية مكانا للسكن لأي كان بغض النظر عن انتمائه لأي جماعة؟
4 ـ هل يمكن التفكير بإقامة نظام لحراك الأساتذة داخل فروع الجامعة اللبنانية مثلاً؟

 


<!-- /* Font Definitions */ @font-face {font-family:Tahoma; panose-1:2 11 6 4 3 5 4 4 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:swiss; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:1627421319 -2147483648 8 0 66047 0;} @font-face {font-family:"Arabic Transparent"; panose-1:2 1 0 0 0 0 0 0 0 0; mso-font-charset:178; mso-generic-font-family:auto; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:8193 0 0 0 64 0;} @font-face {font-family:Verdana; panose-1:2 11 6 4 3 5 4 4 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:swiss; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:536871559 0 0 0 415 0;} @font-face {font-family:"Simplified Arabic"; panose-1:2 1 0 0 0 0 0 0 0 0; mso-font-charset:178; mso-generic-font-family:auto; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:8193 0 0 0 64 0;} /* Style Definitions */ p.MsoNormal, li.MsoNormal, div.MsoNormal {mso-style-parent:""; margin:0cm; margin-bottom:.0001pt; text-align:right; mso-pagination:widow-orphan; direction:rtl; unicode-bidi:embed; font-size:12.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";} a:link, span.MsoHyperlink {color:#000099; text-decoration:underline; text-underline:single;} a:visited, span.MsoHyperlinkFollowed {color:purple; text-decoration:underline; text-underline:single;} @page Section1 {size:595.3pt 841.9pt; margin:27.0pt 90.0pt 18.0pt 90.0pt; mso-header-margin:36.0pt; mso-footer-margin:36.0pt; mso-paper-source:0; mso-gutter-direction:rtl;} div.Section1 {page:Section1;} -->

الحريات – شرط للاندماج

"الحرية" والتقدم العلمي في العالم العربي

زكي لطيف

 

كنت ومازلت اعتقد بان الحرية أهم مفردة من مفردات التقدم والتطور العلمي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وما نعانيه في عالمنا العربي ليس سوى الاستبداد في أبشع صوره ومظاهره وآثاره ونتائجه، في يوم من الأيام دخلت مكتبة جامعة الملك سعود في الرياض بالسعودية، شاهدت كتب كثيرة إلا انه يحضر على الطلبة قراءتها لأنها كتبا شيعية!!! في يوم ما دخلت مكتبة شيعية وسئلت عن بعض الكتب فأجابني البائع بان صاحب المكتبة يحضر استيرادها لأنها تخالف قناعاته الخاصة!! انه الاستبداد يحكم عالمنا العربي ويجمد تماما أي تقدم حقيقي وازدهار معرفي فاعل في مجتمعاتنا لذلك غذت مجتمعات تقليدية متخلفة.

 

   الصين دولة شيوعية شمولية إلا أنها تتيح الفرصة لمواطنيها للتقدم في المجالات العلمية والاقتصادية لذلك ازدهرت سريعا وأصبحت رابع اقوي اقتصاد في العالم، الاتحاد السوفييتي السابق رغم كونه دولة بوليسية استبدادية قمعية إلا أنها حققت انجازات علمية لا تنكر، وكل ذلك يرجع إلى كونها إتاحة الفرصة لشعبها ومنحته حرية البحث والتنقيب والاكتشاف العلمي في أبوابه المختلفة والمتعددة.

 

سابقا في الدولة الإسلامية العربية في العهود الأموية والعباسية ازدهرت الترجمة وشاعت علوم الفلسفة الطبيعة والفلك والكيمياء، لان الخلفاء اهتموا بها ومنحوا العلماء والباحثين هامشا لا باس به من الحرية اللازمة للإبداع والرقي وكذلك انشئوا المكتبات ودعموا التجارب العلمية وفتحوا مجالسهم للحوار العلمي البناء.

 

في عالمنا العربي اليوم نعيش المأساة الحقيقية بأبشع صورها!! حيث تحكمنا أنظمة شمولية متخلفة قمعية لا نظير لها في السابق والحاضر، إنها تحارب أي فرد أو حزب أو جماعة أو حركة تسعى للانعتاق من قبضتها، لذلك وفي ظل حالة لا إنسانية تعيشها شعوبنا، انعدمت آفاق البحث العلمي والتقدم الحضاري، حيث تستنزف أموالنا وأراضينا وثرواتنا واقتصادنا من قبل الأنظمة الحاكمة، وتعيش شعوبنا في أسفل الدرك الحضاري والإنساني والمعيشي، وتنعدم بذلك كافة مجالات وفرص الارتقاء والتطور والنمو في بلداننا.

 

 أهل السلطة لا يعنيهم سوى السلطة أما الشعب وتقم الأمة وازدهارها ومستقبلها فليس ذلك من هامش اهتماماتهم على نحو الإطلاق.

 

في السعودية على سبيل المثال تحظر السلطات آلاف العناوين الورقية والمواقع الالكترونية بحجة مخالفتها للقيم الوطنية والدينية!  وفي عالمنا العربي عموما يجمع المعنيون في الشأن الثقافي بأنه لا توجد صناعة نشر حقيقية في الوطن العربي بسبب المعوقات والعراقيل التي تضعها الحكومات العربية لأسباب مختلفة.

 

فلننظر إلى إسرائيل، عدوة العرب والمسلمين، الدولة التي قتلت بدم بارد الآلاف من الأبرياء في فلسطين ولبنان والأردن وسوريا ومصر إلا أنها في نفس الوقت دولة مؤسسات، شعب إسرائيل ينتخب حكومته بكامل قناعته، الحكومة من الشعب، تعمل باسمه وتمثل أراده، وبعد فترة وجيزة يعود رموزها مواطنين عاديين كما كانوا، يا ترى كم رئيس لإسرائيل مر على المواطن العربي منذ نعومة أظفاره ؟ الكثير أليس كذلك؟ بالمقابل يشب الإنسان العربي ويمر بمرحلة الكهولة ثم الشيخوخة وبعد ذلك الوفاة وطويل العمر لم يلفظ أنفاسه بعد!! 

 

   عندما تكون الدولة عبارة عن مؤسسة مدنية تمثل الشعب فان آفاق التقدم والرقي في كافة المجالات ومن ضمنها "البحث العلمي" تبدأ بالظهور العلني لكافة فئات المجتمع لتحتضن المعنيين بالأمر من باحثين ومحققين في العلوم الإنسانية والطبيعية، ليبدأ عهد جديد، انه عصر العلم في ظل الحرية واحترام الذات الإنسانية.

 

يخصص للبحث العلمي في عالمنا العربي اقل من نصف بالمائة من ميزانية الدولة (وهي نسبة افتراضية، أظنها صفر بالمائة، على الأقل في بعض البلدان) بينما في إسرائيل يخصص 2 بالمائة من الميزانية العامة، هذا فقط من الموازنة العامة عدا القطاع الخاص الذي يعمل بحرية واسعة في ظل قانون مرن وواضح وموضوع على أسس داعمة لحرية البحث العلمي في مختلف ضروبه واهتماماته.

 

في أمريكا يصنع الناس هناك طائراتهم الخاصة في بيوتهم ثم يحلقون بها في السماء، بينما يحرم علينا نحن الشعوب العربية المغلوبة على أمرها من ابسط حقوقها الإنسانية كحق التعبير عن الرأي والفكر والضمير، فكيف نأمل في بلادنا أن تحظى بالتقدم العلمي؟ فلننظر للمفارقة العظيمة بيننا وبين الشعوب المتقدمة لتكتشف الحقيقة المرة في زمننا الأمر!!

zakilateef@maktoob.com

 

كتبهاعادل القادري ، في 15 ديسمبر 2006 الساعة: 16:20 م

الحرية هي الفضاء الحقوقي الذي تتحرك فيه الإرادة الإنسانية العاقلة فرديا وجماعيا، والتقدم هو اتساع ذلك المجال الحقوقي كما يعبر عنه تعاقب ما يعرف بأجيال حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وحقوق الطفل و المرأة و البيئة وحقوق الشعوب وحقوق الأجيال القادمة، وبهذا المعنى المجتمع البشري ككل يتقدم (نظريا و واقعيا)، مهما كانت المظالم والحروب والبشاعات وغياب المساواة في الحرية والعدالة (ضامنة الحريات) في مستوى العلاقات الدولية والاجتماعية التي لم يخل منها عصر من العصور.
أما الغرب فليس متجانسا، ثمة مجتمعات غربية استهلاكية واستعبادية استشرى فيها اقتصاد السوق الرأسمالي وتغوّل تسليع الإنسان (الرجل والمرأة على حد سواء) ونحن لا نتميز عنها بشيء في هذا المجال رغم " إسلامنا" ولم يخل منها تاريخنا مثل ظاهرة الجواري والغلمان، وهناك مجتمعات أخرى مسالمة(مثل البلدان الاسكندينافية ولا سيما السويد وفنلندا والنرويج) بلغت درجة راقية من احترام إرادة الإنسان وحريته الفعلية بشروطها المادية للتحرر من الفقر والجهل والمرض وليس فقط القانونية وحيث لا نجد فيها ظاهرة الدعارة وبيع المرأة أو الرجل كسلعة جنسية شرعية أو غير شرعية بل تخضع فيها العلاقات البشرية العاطفية إلى الرضا الحقيقي للطرفين (مع وجود ظاهرة النوادي الخاصة ببطاقات المشتركين والمشتركات) . وهنا لا بد من التوضيح أن الأهم من الزواج كعقد معترف به مجتمعيا أن لا يكون بمعنى العقد التجاري أو الشركة النفعية، وأن تكون العلاقة بين الطرفين خالية من الاعتبارات المادية و الحسابات القبلية والبعدية ( الميراث، الطلاق، النفقة…) وهي مما تفسد أي علاقة إنسانية حتى وإن كانت " شرعية" وتدفع أحيانا إلى ارتكاب جرائم في حق الشريكين وحق الأطفال والمجتمع عامة.
ولكن تبقى فعلا مسألة " الشذوذ" مثيرة للجدل حتى في المستوى الحقوقي، وإن كان المدافعون عنها يتمسكون بإطار الحرية الشخصية غير القابلة للتقييد تحت أي ذريعة " أخلاقية " أو " دينية " أو " مجتمعية" أو " قانونية" ما دامت تمارس في ظل إرادة حرة تعتبر المعيار الأساسي لأي فعل أخلاقي. وربما يكون تجاوزها لما يمكن أن نسميه بحقوق الطبيعة يمكن أن يكون " حجة " مقبولة كمنطلق لمن يقفون ضدها.
ملاحظة أخيرة، لولا " غزو " الأديان والحضارات الأخرى للمنطقة العربية في القديم، لما أمكن للإسلام أن يولد بذلك المضمون الذي نعرفه و الذي يبدو أننا توقفنا كثيرا عنده وحنطناه وخنقناه بين أيدينا. فلنتجاوز عالم اليوم وأفكار اليوم بإضافات عقلانية جديدة إنسانية وغير سماوية ، سياسية وغير دينية، مثلما أن ديننا تجاوز ذات عصر الأديان التي سبقته.

* تعقيب على مقال " لما يريدون سجن الحرية؟ " بمدونة ريما التونسية.

الحريات السياسية ودورها في تطور المجتمعات

 


 

 


<!--[if !vml]--><!--[endif]-->

<!--[if !vml]--><!--[endif]-->


 

محمد حميد الصواف   


21/ 01/ 2009


رغم التطور المطرد للمنجز البشري في مختلف مناحي الحياة لا تزال احد اهم واخطر القضايا الانسانية معلقة على خط متباين بين تصاعد وهبوط. حيث كانت الحرية ولا تزال تلك المفردة الموغلة في القدم واشتقاقاتها المباشرة من البديهيات الملحة في جملة احتياجات الانسان وابرز قضاياه الجوهرية والمصيرية.

حيث اصبحت الحريات السياسية التي كفلتها المنظومات الدولية والسنن الاجتماعية اهم مقياس من مقاييس تقدم الامم وازدهار الشعوب ثقافيا واقتصاديا وصحيا.
فيما يجمع اغلب المفكرين والمنظرين بمختلف مناهلهم الفكرية ان الحريات السياسية قضية بنيوية اساسية في بناء ورقي المجتمعات والإفراد على حد سواء، وإحدى السبل الكفيلة لحفظ الحقوق وصيانة الدول لتجنيبها الانزلاق في مهاوي التخلف والاستبداد.
لكن رغم نسبة المثالية والأفضلية المعقولة لتلك الممارسة تشير التقارير المتوافرة حسب المنظمات الحقوقية ان الحريات السياسية تشهد تراجعا مقلقا حول العالم.
وتعد من أكثر القضايا المستعصية على التقدم لدى العديد من الشعوب والنظم الدولية خصوصا في مجال الممارسة والتطبيق.
ويعد العراق من اكثر دول المنطقة تقدما في هذا المجال بعد معاناة امتد على مدى عقود سادت فيها مظاهر انحسار الحريات السياسية حتى عهد قريب، حيث رزح الشعب تحت براثن انظمة شمولية متوالية على السلطة.
فقد عدت احدى المنظمات الدولية المهتمة بشؤون الحريات ان العراق يشهد تقدما ملموسا في مجال الحريات والتعددية الحزبية مما افرز بوادر ايجابيا على المستويات المحورية في سجل البلاد، فيما سجلت العديد من الدول تراجعا ملموسا في هذا المضمار.
حيث اعلنت منظمة حقوقية أمريكية إن الحريات السياسية تقلصت في أنحاء العالم عام 2008 وذلك للسنة الثالثة على التوالي مع نزول روسيا واليونان لمراتب أدنى في القائمة بسبب الاحداث السياسية بهما وصعود العراق وماليزيا مع زيادة التعددية الحزبية.
لكن العراق الذي شهد سنوات من الاضطرابات عقب الاطاحة بالنظام الديكتاتوري السابق  صعد في القائمة نظرا لتحسن الوضع الامني وزيادة المشاركة السياسية لمختلف اطياف الشعب. كما صعدت ماليزيا بسبب قوة الدفع الجديدة التي نالتها المعارضة في الانتخابات العامة.
وذكرت المنظمة أن عدد البلدان أو المناطق "الحرة" وهو 89 يتجاوز عدد البلدان أو المناطق "غير الحرة" وعددها 42 لكن الحقوق السياسية والحريات المدنية تقلصت بدرجة كبيرة لان حكومات في مناطق متفرقة من العالم قلدت "ثورات الالوان" الاوروبية المناهضة للحكم الشمولي والتي حولت مسارها وأخمدت الديمقراطية.
وقد نظّر العديد من المفكرين والعلماء من ذوي النظرة الثاقبة لمستقبل العراق الكثير من الاطروحات الملمة بقضايا المجتمع والحريات المكفولة، حيث كان للامام الراحل محمد الشيرازي رؤى قيمة حث من خلالها على ضرورة التعددية الحزبية والحريات السياسية حين يقول: الحرية أصل يعطي للإنسان الحق في أن يختار أي شيء أو يقول أي كلام أو يفعل أي فعل حسب إرادته كما تقر ر ذلك في العقل والشرع. فعلى الدولة القائمة أن تطلق كافة الحريات للناس في كل الأبعاد من حرية العقيدة والرأي وإنشاء الأحزاب والمنظمات وإصدار الصحف والجرائد والمجلات.
كما تتيح الحريات السياسية الآلية والغطاء الشرعي الآمن للتنافس والمشاركة في قيادة المجتمعات واغتناء الساحة المحلية والدولية بالأفكار والتنظيرات الهادفة الى خدمة الإنسان، وبروز الأكفأ والأفضل.
من هذا المنطلق وللحفاظ على هذا الانجاز المهم في ديمقراطية العراق الناشئة يترتب على الجميع السلطات والااحزاب السياسية والمنظمات المدنية العمل على تقويم هذه التجربة الجديدة واستثمارها عبر مسارات تشد من عضد هذه الممارسة ثقافيا واجتماعية والارتقاء بالعراق الى مصافي الدول السباقة في هذا المنحى.
وهذا يدعو الجميع الى خلق حالة من الوعي والادراك بضرورة الاستناد الى مبدأ تداول السلطة سلميا ونبذ دعاوى الاحتكار، إضافة الى ترسيخ مبدأ التعددية والتنوع وثقافة الحوار والاعتدال في الطرح السياسي والالتزام المطلق بعدم قبول عودة الانقلابات والثورات المسلحة التي تقود الشعب الى الاستبداد حسب التجارب السابقة.
وكل ذلك يتم عبر تمكين دولة المؤسسات القائمة على اطر الديمقراطية الدستورية والأحزاب ذات التوجه الديمقراطي في بنيتها وأهدافها ووسائلها.
كما تبرز أهمية توسيع مبدأ المشاركة في اتخاذ القرارات الآنية والمصيرية دون تهميش اي فئة او جهة وسيادة قوة المنطق واستبعاد منطق القوة لحل المشاكل الداخلية والمنازعات الخارجية مع الدول الأخرى.
 

محمد حميد الصواف/مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، {الحريات السياسية ودورها في تطور المجتمعات}


 

 

صور من التعددية والحرية في عصور النور

صور من التعددية والحرية في عصور النور


إني لأنظر في شأن التعددية والحرية (حرية الرأي والتعبير والمعتقد) في مجتمعاتنا وأقارن حالهما في عصرنا ـ عصر الذرة والاستنساخ والإنترنت والاتصالات والديموقراطيات والانتخابات ومؤسسات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان ـ بحالهما في العصور الأولى فلا أملك إلا أن أرفع حاجبيّ تعجباً واستغراباً! إنه أمر يدعو حقاً إلى غير قليل من التساؤل.
أتأمل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرى أنه لقي أشد العنت في سبيل أن يعلن عن دينه! في سبيل أن يقف ويقول: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا!، كم أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل أن يقول الحق الذي يعتقده، ووقف القرشيون منه موقف (الإقصاء) و(المنع) و(الحجب)، ضاقت صدورهم بالـ (مخالف) لهم إن صح التعبير، وقال له قائلهم وقد رآه يصلي : ( ألم أنهك عن هذا ؟!) فأنزل الله له يثبته على أن يقول: لا، في وجه الاستبداد والظلم والقهر، أنزل تعالى قوله: " كلا ، لا تطعه واسجد واقترب ".
ولولا هذا الاستبداد، ولولا هذا الظلم، ولولا هذا القهر، لما كانت الهجرتان الأوليان إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة، حيث يتوافر من (الحرية) ما لا يمكن الحصول عليه عند أولئك النفر (الإقصائيين) من قريش!
هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان مجتمعها مجتمعاً (تعدديًّا) بكل ما تحويه الكلمة من معنى، فيه اليهود (وهم عبرانيون أهل كتاب وإن شئت فقل أهل ثقافة مختلفة)، وفيه عرب مسلمون وغير مسلمين (الأوس والخزرج)، وفيه مسلمون وافدون (المهاجرون من مكة) وهم يختلفون عن السكان الأصليين في العادات والتقاليد كما يختلف أهل المناطق المختلفة في البلد الواحد! أو كما يختلف أهل البلدين في الإقليم الواحد!.
فكيف تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذا الواقع؟ لقد قدّم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجاً فريداً لمعنى (الحرية) و(التعددية) في المجتمع الإسلامي الناشئ، وضرب لنا أعظم المُثُل في (التعايش) مع الآخر المخالف في العرق والدين والثقافة، فكيف كان هذا؟
كان من أوائل ما فعله رسول الله صلى الله عليه عندما استوطن المدينة أن كتب ميثاق الدولة الناشئة، في (الصحيفة) الشهيرة التي ضمن فيها لليهود حريتهم الدينية " وإن اليهود أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ (أي يهلك) إلا نفسه وأهل بيته"، وضمن لهم فيها حرية المواطنة " وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه وإن النصر للمظلوم .. إلخ ".
وكان لليهود الحرية المطلقة في أن يقولوا ما يشاؤون، وأن يصرحوا بآرائهم كما يحبون، وما كانوا يدلون بآرائهم في جنح الظلام، ولا كانوا يتهامسون بها تهامساً في جو من السريّة والكتمان والتخفّي، كلا، بل كانوا يجهرون بآرائهم علانية في وضح النهار آمنين على أنفسهم غير هائبين ولا خائفين، وكانوا كثيراً ما يجلسون إلى النبي الكريم فيجادلونه ويناقشونه في أمور الدين مستعملين أشد العبارات وضوحاً لا يواربون ولا يدارون!، بل كانت المدينة حينذاك أشبه بمنتدى كبير جداً لا يكاد يمرُّ فيه يوم دون أخذ وردٍّ، وسؤال وجواب، ومجادلة ومناظرة، ومناقشة واعتراض، ولم تكن هذه المناظرات في كثير من الأحيان تلتزم الهدوء والتؤدة، بل كثيراً ما كان اليهود يتعدون حدودهم حتى لربما أساؤوا إلى الذات الإلهية، وكثيراً ما تعدوا بالقول على شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى الرغم من كل هذا كان التوجيه الإلهي الثابت والراسخ " وجادلهم بالتي هي أحسن "، ولكي نصل إلى " التي هي أحسن " فلا بد من عملية تطوير دائم ومستمر في التعامل مع المخالف، فلا نبلغ حدًّا إلا ونتجاوزه إلى ما هو ( أحسن ) منه في عملية دؤوبة متطورة نطبق فيها معنى قول الله "بالتي هي أحسن" ، وإن قراء متأملة لسورة البقرة وآل عمران والمائدة تبين لنا الجوَّ الصاخب الذي كان يعيشه ذاك المجتمع الذي يتّسم ـ كما قلت ـ بالتعددية والحرية، ولولا ارتكاب اليهود لما لا يتسامح فيه الملحد فضلاً عن المسلم وهو (خيانة الدولة) لما رفع رسول الله عليهم السيف، ولما أجلاهم من المدينة.
بل إنك ليصيبك غير قليل من الدهش حين تعلم أن وفد نصارى نجران عندما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاموا يصلُّون صلاتهم ويشيرون بالتثليث في المسجد النبوي! ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد في الفصل الذي خصصه لذكر خبر قدوم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه " قال ابن إسحاق : وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران بالمدينة فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال : لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده فأراد الناس منعهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ دعوهم ] فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم" ثم قال ابن القيم في الفصل الذي عقده في فقه هذه القصة: " فيها : جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفى مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً ولا يمكنون من اعتياد ذلك "! .
نحن إذ نتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما نتحدث عن دين الله تعالى متجسداً في رجل .
ولو أن شيئاً كهذا جرى مع إمام من أئمة المسلمين اليوم! ولو أنه جرى في مسجد من مساجد المسلمين في هذا العصر، فماذا ستكون النتيجة؟ لكم أن تتخيلوا ماذا يصير! ولا يظنن ظان هنا أني (أدعو) إلى أن يصلي غير المسلمين في مساجد المسلمين، ولكنني أدعو إلى أن تتسع صدور (المسلمين) ليسمع بضعهم آراء بعض، وليحتمل بعضهم مخالفة بعض.
أما الخلفاء (الراشدون) فصحيح أن أيامهم كانت أيام حروب وفتوحات، غير أني أستحضر هنا المعاهدة (العمرية) التي عقدها عمر بن الخطاب مع أهل إيلياء (القدس)، والتي يتجلى فيها كل التجلي قبول عمر للتعددية والحرية، وسيرة عمر طافحة بهذه المعاني التي يضيق المجال عن استحضارها في مقال كهذا، وأما ما روي أنه ضرب عبد الله بن صبيغ لأنه كان يتكلم في متشابه القرآن فهو خبرٌ لا يصح، أخرجه الدارمي بسنده عن سليمان بن يسار وسليمان بن يسار لم يعاصر عمر رضي الله عنه.
ويضرب لنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثلاً آخر يحتذى في فهمه للتعددية والحرية، حين كان الخوارج يقطعون عليه كلامه حين يخطب فيحاورهم ويجادلهم، ويقول لهم: "إن لكم علينا أن لا نمنعكم فيئاً ما دامت أيديكم معنا، وأن لا نمنعكم مساجد الله وأن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدؤونا".
وتأمل قوله ( مادامت أيديكم معنا)، ألا يعني هذا المواطنة ؟!
إن كلمة عليٍّ هذه لدليل قاطع على فهم ذلك الجيل للتعددية: للإنسان الحق أن يعتقد ما يشاء، وأن يقول ما يشاء، وأن يصدع برأيه متى شاء، شريطة ألا يحمل سيفاً، فيفسد في الأرض، ويروّع الآمنين، وألا يجرح مشاعر الآخرين.
إن واقعنا مع الأسف لا تتجلى فيه هذه الصور الراقية من التعددية والحرية كما كانت في عهود السلف رضي الله عنهم، وإذا كان منا من يقصي (شريكه في المذهب) لمجرد رأي فقهي مخالف ارتآه، فكيف القول فيمن خالفه في المذهب بله الدين كله!
ثم دعونا نقفز إلى عهد (خامس الخلفاء الراشدين) عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وقد أمّن الفرقَ كلّها حتى الخوارج الذين لم يهدؤوا البتة في عهود كل خلفاء بني أمية إلا في عهده. بل لقد استعان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بغيلان الدمشقي (القدري الذي أخذ عنه واصل بن عطاء مذهبه في القدر) لبيع مظالم بني أمية ورد أموالها إلى بيت مال المسلمين، وكان واصل بن عطاء يعظ الناس، ويخطب على منابر مساجدهم، حيث الحجة تقرع الحجة، والرأي يجابه الرأي، بالجدل والمنطق والحوار، ولم نسمع البتة أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تعرّض له بشيء، ولا نهاه عن الصلاة والخطابة، ولا منع تداول كتبه ومؤلفاته، في جوٍّ من الحرية منقطع النظير.
ما أجمل أن يجتمع أفراد مختلفو الانتماءات العرقية، متعددو المذاهب الدينية، متنوعو الطوائف الاجتماعية، ينتمون إلى وطن واحد، ومجتمع واحد، على بساط من المودة والألفة يناقش بعضهم بعضاً ويجادل بعضهم بعضاً في أجواء حرّة لا يشوبها اضطراب ولا توتّر ثم ينصرف كل منهم وهو يحمل في نفسه احترام شريكه في (المواطنة) وإن اختلف عرقه أو مذهبه أو طائفته.

إن هذا ممكن الوقوع حين يكون هناك إرادة وعزم وتصميم، ولئن رأى بعض الناس هذا الأمر مستحيلاً، فلقد وقع قديماً، يذكر الدكتور شوقي ضيف رحمه الله في كتابه (العصر العباسي الثاني)، نقلاً عن ( النجوم الزاهرة) أنه كان يجتمع بالبصرة
ـ وكانت مثابة للعلم والعلماء ـ عشرةٌ في مجلس لا يُعرف مثلهم: الخليل بن أحمد صاحب العروض (سُنِّي)، والسيد الحميري الشاعر (شيعي)، وصالح بن عبد القدوس (ثنوي)، وسفيان بن مجاشع (صُفري)، وبشار بن برد (خليع ماجن)، وحماد عجرد (زنديق)، وابن رأس الجالوت الشاعر (يهودي)، وابن نظير المتكلم (نصراني)، وعمرو بن أخت الموبذ (مجوسي)، وابن سنان الحرّاني الشاعر (صابئ)، فتتناشد الجماعة أشعاراً وأخباراً !.
ربما يرفض بعض الناس هذا الخبر ولكنه صورة حيّة غير مستغربة لواقع (صِحّيٍّ)، (حضاري)، (واعٍ)، (منفتح) عرفه المسلمون قديماً، يعمل فيه العقل و(تتحالف) فيه الثقافات، بعيداً عن روح الإقصاء والاستعداء والبغض والكراهية، وبعيداً عن سياسة (الحجب) و(المنع) و(الإقصاء) بحجة الحفاظ على الدين والغيرة على العقيدة، وكأن المسلمين الأولين لم يكونوا يحافظون على الدين ولا يغارون على العقيدة!

 

المفكر برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر وأستاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون في باريس، يتحدث لقنطرة عن الإصلاحات السياسية، والتطورات الديمقراطية في العالم العربي،ومستقبل الإصلاحات والديمقراطية في سوريا.

باكرا كتبت عن الديمقراطية وبشرت بها. بعد كل هذه السنوات من كتابك "بيان من أجل الديمقراطية". هل ترى أن شيئا ما قد تغير وتحقق ناحية السير نحو الديمقراطية في العالم العربي؟

برهان غليون: بالتأكيد لا يستطيع أحد أن ينكر اليوم أن ثغرة إن لم نقل ثغرات عديدة قد فتحت في نظام السيطرة الأحادية والحكم الاستبدادي في العالم العربي، بالرغم من أن نمط هذا الحكم لايزال سائدا في كل مكان هنا.

بل يمكن القول إن الأسس الايديولوجية لهذا الحكم قد تحطمت تماما بما في ذلك عند قسم كبير من التيار الاسلامي، باستثناء التيارات الجهادية التي تقتصر بطبيعة نشاطها على أقلية منظمة وسرية.

فالتحول نحو أنظمة ديمقراطية هو اليوم شعار مشترك بين جميع التنظيمات السياسية العلنية وهيئات المجتمع المدني والمثقفين على اتساع الأرض العربية. لكن حتى على المستوى السياسي فقد نظام الحكم الاستبدادي مرتكزاته الرئيسية فلم يعد يتمتع بأي صدقية بعد أن أبرزت المعارضة الديمقراطية ضآلة النتائج التي تحققت على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية واستفحال الفوضى والفساد وانعدام المسؤولية لدى النخب الحاكمة.

وبالرغم من أن هذه النظم لا تزال قادرة على المقاومة بسبب قوة الأجهزة الأمنية وعطالة المجتمعات إلا أنها فقدت تماما الشرعية وانتهى زمنها. الكل يفكر بالتغيير وينتظره بما في ذلك النخب الحاكمة نفسها. والحديث لا يدور في الداخل والخارج إلا عن طبيعة القوى التي ستقوم بانجاز مهام التغيير وبلورة صيغة النظام القادم.

لذلك أعتقد أن مسألة التغيير الديمقراطي قد تقدمت كثيرا حتى لو أن الديمقراطية العربية المنتظرة لم تولد بعد. وهذا التقدم قائم بالضبط في تحقيق ما أطلقت عليه أنا مرحلة تفكيك نظام الاستبداد القائم الذي يشكل خطوة سابقة على بناء الديمقراطية وشرط له.


الاسلاميون لا يتقبلون الديمقراطية بنموذجها الغربي والأحزاب الحاكمة تدعى أن هناك خصوصيات للمجتمعات العربية والإسلامية يجب الأخذ بها. كيف يمكن أن تتقدم الدول العربية نحو الديمقراطية أمام هذه العوائق المجتمعية والسياسية؟


غليون: كل هذا كلام سطحي نابع إما عن ضعف المعرفة بمنظومة الديمقراطية الفكرية والسياسية أو عن البحث عن ذرائع سهلة لتأجيل الاستحقاقات التاريخية. وكما بينت الاستقصاءات السياسية، نسبة المؤدين للديمقراطية والمؤمنين بنظامها هي الأعلى اليوم في العالم العربي من كل بقاع العالم الأخرى.

والسبب في ذلك أن شعوبه لا تزال محرومة منها منذ عقود طويلة. ونحن نشهد اليوم بالعكس أن قسما كبيرا من الاسلاميين يسعى إلى تكييف أطروحاته مع الفكرة الديمقراطية كما أن النخب الحاكمة تجنح بشكل أقل اليوم تحت تأثير الضغوط الداخلية والخارجية إلى الحديث عن الخصوصية.

إنها تميل إلى الحديث عن التدرج في الوصول إلى نموذج الديمقراطية. ليس هناك في رأيي رفض ولا عائق ايديولوجي أمام الديمقراطية. المشكلة هي في بناء قوى التغيير الديمقراطي بعد ما يقارب النصف قرن من الاجتياح الاستبدادي للمجتمعات وتكسير بناها الفكرية والسياسية والمدنية معا. هذا هو التحدي الحقيقي لحركة التغيير الديمقراطي الناضج من الناحية الأيديولوجية.

تبدو الطائفية أحد الركائز الأساسية التي تنبني عليها كثير من الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية في العالم العربي. مع ذلك لا نجد أحدا من دعاة الإصلاح والديمقراطية يتحدث عن ذلك. باستثناء العراق. ما هو السبب برأيك ؟

غليون: الطائفية كانت دائما موجودة في المجتمعات العربية وستظل موجودة في المستقبل وهي موجودة أيضا في بلدان عديدة تعيش في ظل نظم ديمقراطية. وليست هي التي تشكل العقبة أمام تقدم قضية التحويل الديمقراطي.

إنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح الإطار الوحيد للتضامن بين الأفراد ويتغلب الانتماء للطائفة أو العشيرة على الانتماء للجماعة الوطنية. ولا يحصل ذلك إلا عندما ينهار إطار التضامن الوطني الذي يجمع الأفراد على صعيد أعلى وأشمل وتزول فعالية الرابطة الوطنية وهو نتيجة مصادرة فريق واحد للدولة وللسلطة الوطنية ووضعهما في خدمة مصالحه الخاصة.

وهكذا تكف الدولة عن أن تلعب دور الحاضنة العامة لجميع الأفراد بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الطائفية. ولذلك يكفي أن نعيد إلى الدولة طابعها الوطني أي العمومي حتى يتراجع الانتماء الطائفي إلى الدرجة الثانية ولا يصبح هناك تناقض عدائي بين الرابطة الوطنية والرابطة الطائفية أو الإثنية.

وأنا أعتقد أيضا أن التركيز على المسألة الطائفية لا يفيد كثيرا في فهم تراجع الحقيقة الوطنية ولكنه يزيد من تأزم الأوضاع. إن التركيز ينبغي أن يكون على عملية تدمير الدولة وتحويلها إلى أداة لخدمة المصالح الخصوصية لأن استرجاع فكرة الدولة وموقعها في الحياة الوطنية هو المهم للخروج من الاستبداد والطائفية المرتبطة به في الوقت نفسه.


الدعوات الى الديمقراطية تترافق مع الدعوات الى الليبرالية .هل ترى أن هذا التداخل يساعد أم يعرقل هذه الدعوات في العالم العربي؟

غليون: كما ذكرت في مقال حديث لي، من الطبيعي أن تترافق الدعوة إلى الديمقراطية بعودة الفكرة الليبرالية التي تبدو فكرة نقيض وبديل في الوقت نفسه عن العقائديات الشمولية التي سيطرت في الحقبة السابقة باسم القومية أو الاشتراكية أو الدولة الاسلامية.

ولذلك هناك نزعة قوية لدى المثقفين إلى التماهي مع الليبرالية بالمعنى التحرري الإنساني. فهي ليست مستخدمة هنا بما يدل على الأخذ ببرنامج الليبرالية الجديدة الاقتصادي والاجتماعي.

ولذلك أرى من الضروري هنا حتى لا تبقى الديمقراطية محصورة بالسياسات الليبرالية ورهينة لها وكذلك حتى لا يستحوذ عليها فريق واحد ويحرم الآخرين من حقهم في الانتماء المتساوي لها، أقول أرى من الضروري أن يتم التفريق بين الديمقراطية والليبرالية، أي بين الديمقراطية كنظام سياسي وبين البرامج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يمكن لكل تيار فكري واجتماعي أن يصوغها للتعبير عن مصالحه ومواقفه.

فلا أستبعد أن يكون هناك ديمقراطية اجتماعية يركز برنامج القائلين بها بشكل أكبر على قضايا العدالة الاجتماعية ومعالجة مشاكل الفقر والبطالة وديمقراطية ليبرالية يتطابق برنامجها مع برنامج النيوليبرالية العالمية التي تعطي الأولوية لمنطق الاقتصاد والتنمية ودفع الاستثمار على أساس اقتصاد السوق وتوسيع دائرة التبادل في إطار السوق العالمية.

ولماذا لا، ديمقراطية إسلامية، قريبة في مفهومها من الديمقراطية المسيحية التي عرفتها أوروبة بعد الحرب الثانية والتي تتميز بحساسية خاصة تجاه القيم والمعايير الأخلاقية والدينية لكن في إطار احترام قواعد السياسة والعمل الديمقراطيين.

بهذا المعنى عدم مطابقة الديمقراطية مع الليبرالية هو ضمانة لتحويلها إلى فكرة جامعة لا تقتصر على تيار ايديولوجي واحد وإنما تنفتح على جميع أولئك الذين يرفضون الشمولية ويقبلون بالتعددية والاحتكام إلى الرأي العام عبر انتخابات دورية.

الأحزاب العربية الحاكمة شكلية وواجهة لحكم البوليس والأمن. في هذا الوضع كيف للديمقراطية أن تشق طريقها مقابل عنف الدولة في العالم العربي؟

غليون: عندما يتبلور الرأي العام فعلا وينتظم وراء فكرة جامعة، وهي هنا فكرة العودة للنظام الديمقراطي والخروج من الديكتاتورية، لن تستطيع أجهزة الأمن أن تفعل شيئا. هذا ما حصل في العقود الماضية في كل دول أوربة الشرقية وما حصل منذ قليل في لبنان عندما نزل الشعب إلى ساحة الشهداء في 14 آذار 2005 بالملايين قبل أن تنتزع الزعامات الطائفية المبادرة من جديد. لكن حركة المجتمع هي التي تسببت في انهيار النظام الأمني القائم.

الإصلاح ومحاربة الفساد شعارات ترفعها الأحزاب الحاكمة كما ترفعها المعارضة أيضا.هل توضح لنا عن هذا الأمر؟ ولماذا هذا الالتحاق من قبل السلطة بشعارات المعارضة في البلدان العربية؟

غليون: لأن السلطة لم تعد قادرة على إنكار الحصيلة السلبية وأحيانا الكارثية لإدارتها وحكمها غير الصالح في العقود الماضية. فهي بتبنيها شعار الاصلاح تريد أن تظهر أنها أخذت علما بالأمر وسوف تسعى إلى تجاوز أخطاء الماضي، وهو ما يبرر لها، في نظر أصحابها طبعا، المطالبة بتمديد فترة حكمها وعدم طرح مسألة التغيير كتغيير للحكم والنظام وإنما فقط كتغيير للسياسة القائمة وفي مقدمها تبني اقتصاد السوق. بذلك تحاول النظم القائمة أن تحافظ على نفسها وتخدع الرأي العام.


بعد سنوات من دعوات الإصلاح من قبل المثقفين السوريين ومنظمات حقوق الإنسان, بعد تولي بشار الأسد السلطة في سوريا، ودعواته هو أيضا من أجل التغيير.إلا أن ما تحقق على الأرض يكاد لا يرى .هل ما زال بالإمكان استمرار التعويل على السلطة بعد كل ردود فعلها؟

غليون: بالفعل أخفق المثقفون في إقناع السلطة السورية بضرورة الاصلاح الحقيقي. وهو ما يشكل اليوم تحديا كبيرا للمعارضة بجميع أجنحتها من مثقفين وهيئات مدنية وأحزاب سياسية. فعندما ترفض السلطة استراتيجة الحوار من أجل تفكيك التوترات الاجتماعية والرد على المطالب المتصاعدة، يخشى أن يقود ذلك إلى تبني تيارات عديدة، بسبب فراغ الصبر أو عدم احتمال الأوضاع، إلى العودة إلى استراتيجيات العنف أو حتى اللقاء مع الأجنبي.

وهذا ما لا يبدو أن السلطة في سورية وعته أو أخذته بالاعتبار مستندة على أن المعارضة السورية في غالبيتها وطنية وشريفة. وهو ما يعني أنها تكافؤها على وطنيتها وشرفها بسحب البساط من تحت أقدامها وإظهارها أمام الرأي العام بأنها عاجزة لصالح القوى المتطرفة المنادية بوقف الحوار والتعاون مع الأجنبي.

ولعلها تريد من ذلك أن تدفع قصدا نحو التطرف حتى تحتفظ لنفسها وحدها بصفة الوطنية والعقلانية أمام القوى الأجنبية التي تطلب منها استمرار اعتمادها. ولله في خلقه شؤون.

تسعى بعض الأحزاب الشمولية الى أن تتحول الى أحزاب تعددية ديمقراطية. هل الأمر يتجاوز الحدود الشكلية ؟

غليون: نعم أعتقد أن أحزابا قومية ويسارية وإسلامية عديدة أدركت اليوم في ضوء التجربة التاريخية العامة وأمام الفشل المتكرر الذي واجهته هي نفسها أن الديمقراطية يمكن أن تكون المخرج الوحيد لها من العزلة والمأزق العميق الذي تعيش فيه ومن الاحباط الذي يعاني منه أعضاؤها أنفسهم.

ولذلك فهي تميل إلى تبني الصيغة الديمقراطية. إنها تحاول بالتأكيد المساومة على بعض قيمها التي تجد صعوبة في التكيف معها، لكنها تقبل في الدخول عموما في منطق التعددية والقبول بقواعدها. وهذا تقدم مهم لمسألة الديمقراطية العربية.

ولا ينبغي أن نحلم أن المجتمعات تدخل الديمقراطية من باب الايمان الكامل والمطلق لجميع الأطراف وبكامل القيم والقواعد الديمقراطية. على الديمقراطيين الحقيقيين أن يستفيدوا من هذا الميل الذي يعكس انهيار الفكرة الديكتاتورية أو على الأقل زوال جاذبيتها ليرسخوا أسس الديمقراطية وليدفعوا الأطراف الداخلة فيها خجلا أو هربا من أزمتها الخاصة إلى الانخراط الجدي والنهائي فيها. وليس هناك ما يمنع ذلك أبدا لا فكريا ولا دينيا ولا سياسيا ولا اجتماعيا.

انتهاج طريق الإصلاح الاقتصادي بمعزل عن الإصلاح السياسي دعوة يطلقها النظام الحاكم في سوريا. هل يمكن لهذا الأمر، يحصل برأيك ؟أم أنه نوع من محاولة للالتفاف على الإصلاح الحقيقي؟

غليون: لو كانت المشكلة نابعة من سوء الإدارة أو السياسة الاقتصادية في حين أن النظام الاجتماعي السياسي لا يزال صالحا وفعالا على المستويات الأخرى لكان هناك معنى للحديث عن إصلاح إقتصادي مستقل عن الاصلاح السياسي.

لكن في سورية كما هو الحال في معظم البلاد العربية ينبع سوء السياسات الاقتصادية وضعف الأداء من طبيعة النظام السياسي نفسه، أي من وجود سلطات تمدد لنفسها تلقائيا ولا تقبل بالاستشارة الشعبية والانتخابات وتخضع جميع السلطات لحزب واحد أو لشخص واحد مطلق الصلاحية كما يتم فيها احتلال مناصب المسؤولية على جميع المستويات حسب الولاءات السياسية أو العائلية بدل الكفاءة المهنية والأهلية الأخلاقية.

لذلك لا يمكن إصلاح الأداء الاقتصادي من دون تغيير قواعد العمل السياسي وأسلوب ممارسة السلطة وتوزيع المسؤوليات العمومية وتعيين القائمين عليها. وهذا هو جوهر النظام السياسي. هنا تكمن المشكلة الحقيقية.

أجرى الحوار صالح دياب
حقوق الطبع قنطرة 2005


المفكر برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر وأستاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون في باريس، أحد الذين كتبوا ودعوا باكرا الى خيار النظام الديمقراطي كمخرج وحيد للأوضاع السياسية والاقتصادية التي يعيشها البلدان العربية.

 

 


s.gif